تتزايد المخاوف من تحول الحرب في السودان إلى ساحة لاختبار منظومات عسكرية حديثة، في ظل تقارير غير رسمية تتحدث عن احتمال استخدام الذخيرة الجوالة التركية «ألباغوت» (ALPAGUT) في العمليات القتالية ضد قوات الدعم السريع.
ونقل باحث وكاتب تركي متخصص في شؤون القرن الأفريقي، أوموت تشاغري صاري، تقديرات تفيد بأن «ألباغوت» قد تخوض أول اختبار قتالي لها في السودان، مع ترجيح استخدامها ضد قوات الدعم السريع.
ولا توجد حتى الآن معلومات رسمية تؤكد وصول المنظومة إلى السودان أو استخدامها فعلياً في الحرب، ما يجعل هذه المعلومات في إطار التقديرات والتحليلات، وليس الحقائق المثبتة.
ما هي «ألباغوت»؟
«ألباغوت» هي ذخيرة جوالة ذكية طورتها شركتا STM وROKETSAN التركيتان. والذخيرة الجوالة هي سلاح يمكنه الوصول إلى منطقة العمليات، والتحليق لفترة محددة، والبحث عن الهدف ومراقبته وتتبع حركته، قبل تنفيذ الهجوم.
وتستخدم المنظومة مستشعرات كهروبصرية وحرارية EO/IR، بما يسمح لها بالعمل ليلاً ونهاراً، مع نقل صور ومعلومات إلى المشغل خلال مرحلة البحث وتقييم الهدف.
وبحسب مواصفات الشركة المصنعة، صُممت «ألباغوت» لمهاجمة أهداف ثابتة ومتحركة، من بينها الرادارات ومنظومات الدفاع الجوي ومراكز القيادة والاتصالات والمركبات والمنشآت والأهداف البشرية والبحرية.
قدرات قتالية متقدمة
يبلغ وزن المنظومة نحو 45 كيلوغراماً، وتحمل رأساً حربياً يزن نحو 11 كيلوغراماً، مع خيارات مختلفة للرؤوس الحربية.
وتشير المواصفات المعلنة إلى قدرة تشغيلية تتجاوز 60 كيلومتراً ونحو 60 دقيقة من التحليق، مع إمكانية استخدامها بصورة منفردة أو ضمن مفهوم الأسراب.
كما يمكن دمجها مع عدد من المنصات الجوية والبرية والبحرية غير المأهولة.
ومن المهم التوضيح أن شركة Baykar ليست المطور الرئيسي لـ«ألباغوت»؛ إذ يرتبط دورها باختبارات الإطلاق من طائرة «بيرقدار أكينجي»، بينما يعود تطوير الذخيرة إلى STM وROKETSAN.
وكانت STM قد أعلنت في أغسطس نجاح اختبار إطلاق «ألباغوت» من طائرة «أكينجي» ضد هدف بحري قبالة سواحل سينوب التركية. ويظل ذلك اختباراً تطويرياً، وليس دليلاً على خوض المنظومة حرباً فعلية.
لماذا يبرز السودان في هذه التقديرات؟
تحول السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023 إلى واحدة من أكثر ساحات الصراع نشاطاً في استخدام الطائرات المسيّرة والذخائر الموجهة والحرب الإلكترونية.
وتتميز الحرب باتساع رقعتها الجغرافية، وتنوع الأهداف العسكرية، وتغير مواقع القوات ومراكز القيادة، إلى جانب انتشار منظومات الدفاع الجوي والتشويش الإلكتروني.
هذه البيئة قد تجعل السودان، في حال وصول «ألباغوت» إليه فعلاً، ساحة معقدة لاختبار قدرات منظومة مصممة للبحث عن أهداف ثابتة ومتحركة والعمل في ظروف تشغيلية متغيرة.
لكن لا يمكن الجزم بأن تركيا تستخدم السودان لاختبار المنظومة، أو أن «ألباغوت» دخلت الحرب بالفعل، من دون أدلة مستقلة وموثوقة.
السودان.. من مستورد للسلاح إلى ساحة تجارب؟
الأخطر في القضية يتجاوز منظومة «ألباغوت» نفسها. فاستمرار الحرب وتدفق الأسلحة الأجنبية يضع السودان أمام ظاهرة أوسع: تحول البلاد إلى بيئة تتقاطع فيها تقنيات عسكرية متعددة، تشمل المسيّرات والذخائر الذكية والدفاعات الجوية والحرب الإلكترونية.
وفي ساحات القتال الحقيقية، تخضع الأسلحة لظروف يصعب محاكاتها بالكامل في الاختبارات التقليدية؛ من التشويش والطقس والمسافات الطويلة إلى الأهداف المتحركة والتهديدات المضادة.
وهذا يفتح الباب أمام سباق تقني متواصل: مسيّرات تواجه دفاعات جوية، وذخائر جوالة تستهدف الرادارات، وأنظمة تشويش تحاول تعطيلها، ثم منظومات جديدة تُطوّر للتغلب على تلك الدفاعات.
حرب تتسع.. وكلفة يدفعها المدنيون
وبغض النظر عن صحة التقارير المتعلقة بـ«ألباغوت»، فإن استمرار إدخال منظومات أكثر تطوراً إلى الحرب السودانية يعني زيادة تعقيد الصراع وقدرته على إيقاع خسائر أكبر.
فكلما تطورت أدوات الاستهداف والضربات بعيدة المدى، اتسعت قدرة أطراف الحرب على الوصول إلى مواقع جديدة، بينما يظل المدنيون والبنية التحتية الأكثر عرضة لتبعات التصعيد.
وبذلك لا تكمن خطورة «ألباغوت» في احتمال استخدامها وحده، وإنما في الصورة الأوسع التي تكشفها الحرب السودانية: بلد يتحول تدريجياً إلى مسرح تتنافس فيه تقنيات وصناعات عسكرية مختلفة، بينما يدفع السودانيون الثمن البشري الأكبر لهذا السباق.

