أثارت قرارات شركات الاتصالات السودانية بشأن سحب أرقام المشتركين غير النشطين وفرض رسوم للاحتفاظ بها موجة من الغضب، في وقت يعيش فيه ملايين السودانيين خارج البلاد أو في مناطق لا تتوفر فيها خدمات الاتصالات بصورة منتظمة بسبب الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
وفوجئ مشتركون بتوقف شرائحهم عن العمل وسحب أرقامهم، رغم أن عدم استخدامها خلال السنوات الماضية لم يكن اختيارياً في كثير من الحالات، وإنما نتيجة مباشرة للنزوح واللجوء وصعوبة الوصول إلى شبكات الاتصالات في مناطق واسعة من البلاد.
وتصدرت شركة «زين» المشهد بعد شكاوى من مشتركين قالوا إن أرقامهم أُلغيت أو سُحبت دون إخطار مسبق. كما أثارت إجراءات شركة «سوداني» انتقادات مماثلة بعد إعلانها فرض رسوم على بعض عملاء الدفع المقدم الراغبين في الاحتفاظ بأرقامهم لفترات طويلة دون استخدام.
أرقام مرتبطة بالحسابات البنكية
وتتجاوز أهمية شرائح الاتصالات في السودان مجرد إجراء المكالمات، إذ ترتبط أرقام كثيرة بخدمات مصرفية وتطبيقات للتحويلات المالية وحسابات واتساب وحسابات إلكترونية أخرى.
وحذر مشتركون من أن إعادة طرح الرقم المسحوب لمستخدم جديد قد تخلق مخاطر تتعلق بالخصوصية والأمن المالي، خصوصاً إذا ظل الرقم مرتبطاً بحسابات مصرفية أو خدمات تتطلب رمز تحقق يرسل عبر الهاتف.
وقال مواطنون إنهم اكتشفوا فقدان أرقامهم بعد سنوات من النزوح أو اللجوء، وإن بعضهم لم يتمكن من معرفة مصير الشريحة إلا بعد العودة إلى مناطق تتوفر فيها الشبكات.
ويرى منتقدون أن التعامل مع الأرقام غير المستخدمة خلال الحرب بمعايير تجارية اعتيادية يتجاهل طبيعة الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودانيون، خاصة أن عدم النشاط في كثير من الحالات سببه فقدان السكن أو النزوح إلى مناطق خارج نطاق التغطية أو مغادرة البلاد قسراً.
رسوم للاحتفاظ بالرقم
وزادت الانتقادات بعد إعلان شركة «سوداني» خدمة تحت شعار «رقمك حافظ عليهو من السحب»، تتيح لعملاء الدفع المقدم الاحتفاظ بأرقامهم مقابل رسوم محددة بحسب مدة التجميد.
وبحسب الإعلان، تبلغ الرسوم 5 آلاف جنيه لمدة ثلاثة أشهر، و8 آلاف جنيه لمدة ستة أشهر، و12 ألف جنيه لفترات أطول تصل إلى عام.
واعتبر مشتركون هذه الرسوم عبئاً إضافياً على مواطنين يواجهون أصلاً أوضاعاً اقتصادية ومعيشية قاسية، مشيرين إلى أن الحرب هي التي حالت دون استخدام أرقامهم، وأن تحميلهم تكلفة مالية إضافية بسبب النزوح أو اللجوء يمثل، في نظرهم، استغلالاً لظرف قهري خارج عن إرادتهم.
كما طالب مواطنون بمراعاة طبيعة الخدمات التي أصبحت مرتبطة بأرقام الهواتف، وعدم التعامل معها باعتبارها مجرد شرائح اتصالات قابلة للإلغاء وإعادة البيع.
مخاوف من الاحتيال
ويرى صحفيون ومحامون ومهنيون ومستخدمون للخدمات المصرفية أن سحب الأرقام وإعادة تخصيصها قد يفتح الباب أمام مخاطر أمنية، خصوصاً بالنسبة للسودانيين الموجودين خارج البلاد.
وتتركز المخاوف حول احتمال استمرار ارتباط الرقم القديم بخدمات مصرفية أو تطبيقات رقمية، ما قد يجعل إعادة تخصيصه لشخص آخر مصدراً لمشكلات تتعلق بالوصول إلى الحسابات أو استقبال رموز التحقق.
ويطالب أصحاب هذه المخاوف شركات الاتصالات والبنوك ومزودي الخدمات الرقمية بوضع آليات أكثر أماناً لحماية أصحاب الأرقام القديمة، خصوصاً في ظل ظروف الحرب وانقطاع التواصل الذي يعيشه ملايين السودانيين.
مطالب بتدخل الجهات التنظيمية
ودعا مشتركون وناشطون وزارة الاتصالات والجهات التنظيمية إلى التدخل لوقف سحب الأرقام طوال فترة الحرب، أو على الأقل اعتماد استثناءات واسعة تشمل النازحين واللاجئين والسودانيين المقيمين في الخارج والموجودين في مناطق خارج نطاق التغطية.
وتأتي هذه المطالب في ظل توجيه سابق من جهاز تنظيم الاتصالات والبريد، صدر في نوفمبر 2024، لشركات الاتصالات بعدم سحب الشرائح المغلقة نهائياً، مراعاة للظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب وخروج أعداد كبيرة من المواطنين خارج البلاد.
ويرى أصحاب هذه الدعوات أن استمرار العمل بإجراءات سحب الأرقام أو فرض رسوم عليها، رغم استمرار الحرب، يستدعي إعادة تقييم السياسة التنظيمية بما يضمن حماية المشتركين وعدم تحويل ظروف النزوح واللجوء إلى عبء مالي أو مصدر خطر على مدخراتهم وحساباتهم الرقمية.
وفي بلد مزقت الحرب شبكاته الاجتماعية والاقتصادية، أصبحت شريحة الهاتف أكثر من وسيلة اتصال؛ فهي بالنسبة لكثير من السودانيين مفتاح لحساب مصرفي، ووسيلة لتحويل الأموال، وقناة للتواصل مع الأسرة، ولذلك فإن فقدان الرقم قد يعني فقدان الوصول إلى جزء من الحياة المالية والشخصية للمواطن.

