يواجه شباب ولاية الخرطوم أوضاعًا اقتصادية ومعيشية متزايدة الصعوبة منذ اندلاع الحرب، في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، ما دفع أعدادًا كبيرة منهم إلى الاعتماد على الأعمال الحرة واليوميات، فيما يتجه آخرون إلى الهجرة بحثًا عن فرص أفضل.
وبحسب إفادات لشباب تحدثوا لبرنامج «قضايا الشباب» الذي يبثه راديو دبنقا من الخرطوم، لا يعمل سوى نحو 7% من الشباب، معظمهم في أعمال حرة وغير مستقرة، بينما تتراوح البطالة بينهم بين 60% و70%.
أعمال محدودة ووظائف تتراجع
وقال الشاب الشال محمد حسن إن معظم الأعمال المتاحة حاليًا تتركز في أنشطة بسيطة، من بينها بيع الطعام، والعتالة لدى المنظمات، والسباكة والدهان والمشاوير الخاصة. وأوضح أن عددًا من المنظمات التي كانت توفر فرص عمل أغلقت أو توقفت عن النشاط مع تراجع العمل الإغاثي في الخرطوم.
وأضاف أن البطالة لا تترك آثارًا اقتصادية فحسب، بل تنعكس أيضًا على الحالة النفسية للشباب، مع تنامي مشاعر اليأس والاكتئاب وعدم القدرة أحيانًا على توفير احتياجات بسيطة مثل الإنترنت ورصيد الهاتف.
العودة إلى الخرطوم تصطدم بأزمة الدخل
ويرى حسن أن الدعوات إلى عودة الشباب للخرطوم لا يمكن أن تعتمد على تحسن الوضع الأمني وحده، مؤكدًا أن توفير سبل كسب العيش يمثل تحديًا أساسيًا. ويقول إن الظروف الحالية دفعت بعض الأسر إلى الاعتماد على عمل أكثر من فرد لتوفير الاحتياجات الأساسية.
كما أشار إلى محدودية الوظائف الحكومية أمام الشباب، موضحًا أن كثيرًا من العاملين الذين كانوا يشغلون وظائف قبل الحرب عادوا إلى مواقعهم، ما يقلص المساحات المتاحة أمام الجيل الأصغر.
رواتب رسمية لا تصمد أمام الغلاء
وبحسب حسن، تتراوح الرواتب في بعض الوظائف الرسمية المتاحة حاليًا بين 350 ألفًا و500 ألف جنيه سوداني، وهي مبالغ يقول إنها لا تكفي أسرة صغيرة لأكثر من خمسة أيام، فضلًا عن تكاليف النقل والاحتياجات الشهرية.
ويطالب الشباب، وفق الإفادات، بوقف الحرب وتوفير فرص عمل وبرامج تدريب وتأهيل، إلى جانب إشراكهم في عملية صنع القرار. كما انتقد حسن مقترح تنظيم أعراس جماعية للعاطلين، معتبرًا أن الأولوية يجب أن تكون لتوفير مصدر دخل يمكّن الشباب من إعالة أنفسهم وأسرهم.
اليوميات.. دخل محدود ومواصلات تستنزف الأجر
وقال الشاب عادل أبو القاسم إن سكانًا في عدد من أحياء الخرطوم يواجهون ارتفاعًا حادًا في الأسعار وتكاليف النقل، بينما تقتصر مصادر الدخل المتاحة لكثيرين على الأعمال اليومية.
وأشار إلى أن أجور هذه الأعمال تتراوح بين 20 ألفًا و30 ألف جنيه سوداني في اليوم، وهي مبالغ يقول إنها تتآكل سريعًا أمام تكاليف المعيشة. كما قد تصل تكلفة رحلة الذهاب والعودة من أطراف الخرطوم إلى أم درمان إلى نحو 20 ألف جنيه، ما يستهلك جزءًا كبيرًا من دخل العامل اليومي.
وتحتاج الأسرة الصغيرة، وفق إفادته، إلى نحو 30 ألف جنيه يوميًا لتغطية احتياجاتها الأساسية، بينما قد ترتفع احتياجات الأسرة الكبيرة إلى ما بين 70 ألفًا و80 ألف جنيه يوميًا. ويشير كذلك إلى ارتفاع أسعار بعض السلع، ومنها الفحم والسكر.
توقف المصانع يفاقم أزمة الخريجين
من جانبها، قالت الشابة بخيتة حسن إن الحرب تسببت في فقدان آلاف السودانيين مصادر دخلهم، مع توقف مصانع وتضرر القطاع الخاص وتراجع فرص العمل أمام الشباب والخريجين وأصحاب الخبرات.
وروت حسن أنها فقدت وظيفتها في أحد مصانع الخرطوم بعد توقفه بسبب الحرب، ولم تتمكن من العثور على وظيفة جديدة عقب عودتها إلى العاصمة، ما زاد صعوبة توفير احتياجاتها واحتياجات أسرتها.
وتشير إلى أن محدودية الوظائف تدفع الشباب إلى أعمال هامشية مثل البيع في الأسواق والأعمال اليدوية، في وقت يواجه بعض أصحاب هذه الأنشطة أعباء إضافية تتمثل في رسوم الطاولات والضرائب.
ودعت حسن إلى إعادة تشغيل المصانع وتنشيط القطاع الخاص وفتح فرص استثمار وتمويل للشباب لمساعدتهم على تأسيس مشروعات توفر لهم مصادر دخل مستقرة.
غياب الاستثمار يدفع البطالة إلى مستويات أعلى
وترى سمية العاقب أن اتساع البطالة في الخرطوم يرتبط بتوقف قطاعات تجارية وصناعية واستثمارية كانت تستوعب أعدادًا كبيرة من العمالة، إلى جانب مغادرة عدد من أصحاب المصانع والشركات البلاد.
وتقترح جذب مستثمرين من الخارج وتنفيذ مشروعات إنتاجية حكومية قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من الشباب والباحثين عن العمل.
المناطق المتضررة.. البطالة تصل إلى 90%
وفي المناطق الأكثر تضررًا من الحرب، تبدو الأزمة أشد حدة، بحسب الشاب محمد علي، الذي قال إن فقدان الممتلكات والوظائف والمدخرات دفع كثيرين إلى الأعمال غير الرسمية لتوفير الاحتياجات الأساسية، مثل بيع المأكولات والخبز.
ويقدّر علي أن البطالة في بعض هذه المناطق قد تصل إلى 90%، مشيرًا إلى أن أعدادًا من السكان اتجهت إلى الهجرة خارج البلاد بحثًا عن مصادر دخل. ودعا إلى توفير تمويل بسيط وفرص عملية للشباب لتنفيذ مشروعاتهم وأفكارهم الإنتاجية.
بدائل محفوفة بالمخاطر
وقالت سارة إبراهيم إن استمرار الحرب أدى إلى تراجع الوظائف الحكومية والخاصة، فيما لم تعد الرواتب الحالية كافية، في بعض الحالات، حتى لتغطية تكاليف المواصلات.
وأشارت إلى اتجاه بعض الشابات للعمل في المطاعم وبيع الشاي، بينما يلجأ بعض الشباب إلى التنقيب عن الذهب أو محاولات الهجرة غير النظامية عبر البحر، أو العبور من مصر باتجاه ليبيا.
وتعكس هذه الإفادات أزمة أوسع يواجهها شباب السودان، حيث تتراجع الوظائف المستقرة في مقابل ارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل توفير دخل منتظم وإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية والتدريب والتأهيل من أبرز المطالب المطروحة لمعالجة البطالة ودعم الاستقرار الاجتماعي.

