تثير عودة الاتحاد الأفريقي إلى الخرطوم، عبر إعادة تشغيل مكتب الاتصال التابع له، تساؤلات واسعة بشأن طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه المنظمة القارية في إنهاء الحرب السودانية، وما إذا كان وجودها الميداني سيسهم في دفع مسار السلام أم قد يُستغل سياسياً لمنح سلطة الجيش شرعية ضمنية.
وتأتي الخطوة في وقت لا تزال فيه مشاركة السودان معلّقة في أنشطة الاتحاد الأفريقي منذ انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، الذي أطاح بالحكومة المدنية الانتقالية. وكان مجلس السلم والأمن الأفريقي قد ربط استعادة المشاركة بعودة النظام الدستوري وقيام سلطة انتقالية مدنية.
وبحسب دراسة حديثة لمعهد الدراسات الأمنية الأفريقي، نُشرت في 17 أغسطس/آب، فإن إعادة تشغيل المكتب تمثل فرصة للاتحاد لاستعادة حضور أكثر فاعلية داخل السودان، لكنها تضعه أمام اختبار حساس يتمثل في التواصل مع السلطات القائمة من دون تحويل هذا التواصل إلى اعتراف سياسي بها.
فرصة لتعزيز الوساطة
يمكن للوجود الأفريقي داخل الخرطوم أن يمنح المنظمة قدرة أكبر على التواصل المباشر مع الأطراف السودانية، ومتابعة التطورات السياسية والأمنية والإنسانية، والتنسيق مع المنظمات الدولية والجهات الإنسانية.
كما قد يساعد المكتب في توسيع الاتصالات مع القوى المدنية والمجتمعية والنقابات والقيادات المحلية، والوصول إلى معلومات من مصادر متعددة في ظل الروايات المتضاربة التي يقدمها طرفا الحرب وحلفاؤهما.
ويأتي ذلك بينما يؤكد الاتحاد الأفريقي أن الحل العسكري لا يمكن أن يكون مخرجاً مستداماً للأزمة، ويدعو إلى وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف أمام عملية سياسية سودانية شاملة.
مخاوف من شرعنة سلطة الجيش
في المقابل، تحذر الدراسة من أن وجود المكتب في العاصمة، وهي منطقة تخضع لسيطرة الجيش، قد يمنح السلطات القائمة فرصة لتقديم عودة الاتحاد باعتبارها مؤشراً على قبول أفريقي بمؤسسات الحكم التي تعمل على تشكيلها.
وتزداد الحساسية مع استمرار الجدل حول المبادرة السياسية التي يطرحها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وخطط استكمال مؤسسات الحكم في مناطق سيطرة الجيش، في ظل استمرار الحرب وانقسام البلاد بين مراكز نفوذ عسكرية وسياسية متنافسة.
ويرى منتقدون أن تعامل الاتحاد حصراً مع قيادة الجيش والحكومة المتحالفة معها قد يضعف ثقة القوى المدنية والأطراف الموجودة خارج مناطق سيطرة الجيش في حياد المنظمة وقدرتها على أداء دور الوسيط.
الحضور الدبلوماسي لا يعني الاعتراف
وتكمن المعادلة الأساسية أمام الاتحاد الأفريقي في الفصل بين التواصل مع سلطة الأمر الواقع والاعتراف بها ممثلاً شرعياً للدولة السودانية.
فإعادة فتح مكتب الاتصال لا تعني، من الناحية السياسية، رفع تعليق مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد، ولا تمنح السلطات القائمة تلقائياً حق تمثيل السودان داخل المنظمة.
ومن ثم، فإن الحفاظ على هذا التمييز يتطلب رسالة أفريقية واضحة تؤكد أن عودة المكتب إجراء يهدف إلى تعزيز الوساطة والتواصل، وليس تغيير موقف الاتحاد من الانقلاب أو شروط استعادة النظام الدستوري.
اختبار حقيقي للحياد
ويرتبط نجاح المكتب بقدرته على التواصل مع مختلف مكونات السودان، وليس فقط المسؤولين في الخرطوم، بما يشمل القوى المدنية، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، والنساء والشباب، وممثلي النازحين واللاجئين، والقيادات المحلية في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وشرق السودان.
كما يتطلب الأمر الوصول إلى المناطق الواقعة خارج سيطرة الجيش، بما يضمن عدم تحول المكتب إلى منصة سياسية لطرف واحد.
ويرى مراقبون أن الأولوية ينبغي أن تتركز على وقف الحرب وحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات وتهيئة مسار سياسي مستقل، بدلاً من الدخول في ترتيبات لتوزيع المناصب بينما يستمر القتال.
العودة الأفريقية أمام خيارين
تمثل عودة الاتحاد الأفريقي إلى الخرطوم فرصة لاستعادة دور قاري مباشر في الأزمة السودانية، لكنها في الوقت ذاته تحمل مخاطر إذا فُهمت باعتبارها تطبيعاً سياسياً مع سلطة الجيش.
فالاختبار الحقيقي لن يكون في إعادة فتح المكتب أو رفع علم الاتحاد الأفريقي في العاصمة، وإنما في قدرة المنظمة على استخدام وجودها لدفع الأطراف نحو وقف القتال، وتوسيع المشاركة السياسية، وحماية العملية السياسية من هيمنة العسكريين وأطراف الحرب.
وبينما يحتاج السودان إلى حضور أفريقي أكثر فاعلية، فإن هذا الحضور لن يكتسب مصداقيته إلا إذا اقترن بالحياد والشمول والتمسك بالانتقال المدني، حتى لا تتحول عودة الاتحاد الأفريقي إلى الخرطوم من أداة للسلام إلى غطاء سياسي لواقع فرضته الحرب والسلاح.

